محمد بن جرير الطبري
160
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
منطويا عليه من الكبر الذي قد كان عنهم مستخفيا . وقد روي عن ابن عباس خلاف هذه الرواية ، وهو ما : حدثني به موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لما فرغ الله من خلق ما أحب ، استوى على العرش فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن ؛ وإنما سموا الجن لأَنهم خزان الجنة . وكان إبليس مع ملكه خازنا ، فوقع في صدره كبر وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي هكذا قال موسى بن هارون ، وقد حدثني به غيره وقال : لمزية لي على الملائكة فلما وقع ذلك الكبر في نفسه ، اطلع الله على ذلك منه فقال الله للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأَرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا قالُوا ربنا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعني من شأن إبليس . فبعث جبريل إلى الأَرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الأَرض : إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال : رب إنها عاذت بك فأعذتها . فبعث الله ميكائيل ، فعاذت منه فأعاذها ، فرجع فقال كما قال جبريل . فبعث ملك الموت ، فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره . فأخذ من وجه الأَرض وخلط ، فلم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء ؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ، فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا واللازب : هو الذي يلتزق بعضه ببعض ثم ترك حتى أنتن وتغير ، وذلك حين يقول : مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قال : منتن ، ثم قال للملائكة إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عليه ليقول له : تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه ؟ فخلقه بشرا ، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة . فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه ، وكان أشدهم منه فزعا إبليس ، فكان يمر فيضربه ، فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة ، فذلك حين يقول : مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ويقول لأَمر ما خلقت ودخل فيه فخرج من دبره ، فقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا ، فإن ربكم صمد وهذا أجوف ، لئن سلطت عليه لأَهلكنه فلما بلغ الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح ، قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح ، فدخل الروح في رأسه عطس ، فقالت له الملائكة : قل الحمد لله فقال : الحمد لله ، فقال له الله : رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه ، نظر إلى ثمار الجنة ، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ أي استكبر وكان من الكافرين قال الله له : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إذ أمرتك لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لم أكن لأَسجد لبشر خلقته من طين ، قال الله له : أخرج منها فَما يَكُونُ لَكَ يعني ما ينبغي لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ والصغار هو الذل . قال : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ، ثم عرض الخلق على الملائكة فقال : أَنْبِئُونِي